بين الإسلام والغرب: تهافت الديمقراطية

مارس 28th, 2007 كتبها noha abokrysha نشر في , تهافت الديمقراطية

بين الإسلام والغرب: تهافت الديمقراطية

بقلم: محمد السالك ولد إبراهيم

منذ انطلاقتها الأولى من مدينة أثينا اليونانية (507 قبل الميلاد) وصولا إلى سجون جوانتانامو(2001) و أبو غريب (2004) و فضائحهما اللاديمقراطية و انتهاء بالرحلات السرية لطائرات وكالة الاستخبارات الأمريكية و اعتقالاتها التعسفية لبعض المواطنين الغربيين من أصول عربية وإسلامية، هل يمكن اعتبار هذه المسيرة التاريخية الطويلة للديمقراطية الغربية إرثا حضاريا إنسانيا مشتركا بين جميع شعوب العالم؟ ولماذا يشكل العالم العربي الإسلامي استثناء "للقاعدة"، بقي حتى الآن مستعصيا على التفاعل ايجابيا مع هذا الإرث العام المشترك؟!

مع بداية الفتح الإسلامي  للغرب عبر البوابة الأسبانية في القرن الثامن الميلادي، مرورا بفترة الحملات الصليبية على أرض الإسلام منذ القرن الحادي عشر الميلادي وانتهاء بالحقبة الاستعمارية وما تلاها، ثم أخيرا،  أحداث 11 سبتمبر 2001، ظلت علاقات العالم العربي الإسلامي مع الغرب المسيحي على الدوام بالغة التعقيد و الحساسية. كما بقيت أسيرة مخيلة جماعية مفعمة بمشاعر متبادلة يطبعها التناقض، قوامها الخوف والعدائية من جهة والإعجاب والتأثر من جهة أخرى.
أما اليوم، وبعد انهيار المعسكر الاشتراكي بتفكك الاتحاد السوفيتي وانتهاء الثنائية القطبية التي ميزت الحقبة المنصرمة من تاريخ العلاقات الدولية، فقد تكرست هيمنة "قوة عظمى"، وحيدة على المستوى العالمي هي الولايات المتحدة الأمريكية. وقد ظلت هذه القوة الجبارة تبحث عن عدو استراتيجي جديد ما لبثت، في ظل غياب المعنى  وسيطرة التحريف الإعلامي الجارف والرخيص، أن وجدت الطريق إليه، غداة 11 سبتمبر2001. لقد أعيد توجيه سيكولوجيا الرأي العام الغربي نحو تأجيج مخاوف الغرب من الإسلام  وما قد يمثله من تهديد جدي بالنسبة له. وفي سبيل ذلك، تم الخلط بين الإسلام والإرهاب كما فتح المسرح المريب للتبشير بنظام عالمي جديد، مازالت أهدافه الحقيقية مخفية وغامضة لحد الآن، حتى بالنسبة للكثير من الفاعلين الكبار في حقل العلاقات الدولية.
لقد أصبح الإسلام اليوم في موضع اتهام. هذا الدين الذي كان سباقا، منذ القرن السابع الميلادي، إلى استشراف روح وقيم الحداثة حتى قبل أن ترى النور- من خلال ما فجره من طاقة تحررية خلاقة لصالح الإنسان والمجتمع في جميع أبعادهما- في وقت كان فيه الغرب المسيحي ما زال ينتظر "عصر أنوار" لن تأتي قبل القرن الثامن عشر الميلادي!
لقد حكمت، بكل بساطة، قلة من الباحثين والمسؤولين السياسيين الغربيين من اقصى اليمين، على  آخر وحي الهي لهداية البشرية، بتوصيفه كأكبر عائق أمام استتباب السلام العالمي و نشر الديموقرطية في ربوع العالم العربي الإسلامي. في حين يجري تجاهل حقيقة أن الغالبية المطلقة من البشر- كما تشاهد يوميا عبر شاشات التلفزيون في كل القارات- ترى أن التهديد الحقيقي للسلام في العالم إنما يأتي من أميركا بوش وزمرته، التي تضع نفسها في مواجهة دموية مع العالم من خلال العنف الذي يمارسونه باسم الدين.
لقد أثبتت دراسة مسحية جديدة ، قام بها قسم الإعلام في جامعة إيرفورت الألمانية، أن البرامج السياسية التي بثتها القناتان التلفزيتان الحكوميتان الأولى والثانية (أي.آر.دي وزد.دي.أف) على مدى عام ونصف ما بين يونيو2005 وديسمبر2006، قد  أسهمت بصورة واضحة في زيادة الخوف من الإسلام (الإسلاموفوبيا). وقد اعتمدت الدراسة على تحليل صورة الإسلام والمسلمين في 133 مادة إعلامية سياسية بثتها هاتان الشبكتان، فتبين أن الإسلام قدم في 80% من البرامج كأيدلوجية سياسية ذات منظومة قيمية مخالفة للأنماط السلوكية السائدة في المجتمع الألماني، وتم تصويره كخطر سياسي ومجتمعي، كما ربط بقضايا العنف والنزاعات كالإرهاب واضطهاد المرأة ومشاكل الاندماج والتعصب الديني وقتل النساء بدعوى الدفاع عن الشرف،  في الوقت الذي ندرت فيه التغطية الإعلامية حول تنامي النزاعات العنيفة والمتطرفة في أديان أخرى، كما لم تتعد التقارير المحايدة أو الإيجابية المعروضة في هذه القنوات حول الإسلام والمسلمين 19%.
أما في العالم العربي والإسلامي، فقد شجعت هذه المواقف أنظمة الحكم الاستبدادي على تضييق أدنى مساحات الحرية إن وجدت أصلا والاستمرار، بدون حرج، في إساءة معاملة شعوبها تحت شعار مكافحة الإرهاب والتطرف الديني. كما وفر هذا  الموقف غطاء لأشكال لا متناهية  من التدخل السياسي والثقافي والاقتصادي والعسكري أدت إلى خلخلة السيادة الهشة لهذه الدول وانسداد أفقها السياسي ومضاعفة أزماتها الداخلية البنيوية حتى أضحى مستقبلها شبه مجهول على خارطة العالم اليوم.
إذا، كيف يمكن تفسير موقف الولايات المتحدة الأمريكية و القوى الغربية عموما  -المعبر عنه من خلال خطاب إعلامي واسع الانتشار ، تارة إجماعي وأحيانا تنافسي فيما بينها- يؤكد التزام تلك القوى بمهمة تطبيق الديمقراطية وحقوق الإنسان في العالم العربي والإسلامي؟ فهل يتعلق الأمر بالتـزام جديمن اجل دعم التغيير أم  هي مجرد خدعة مدبرة بعناية قصد إعادة استعمار هذه المنطقة من العالم وبسط السيطرة على شعوبها واستغلال مقدراتها من جديد.
بافتراض صدقية تقارير الأمم المتحدة حول التنمية البشرية العربية للسنوات الأخيرة (2003-2006)، وهي التقارير التي يعدها برنامج الأمم المتحدة للتنمية بالتعاون مع الصندوق العربي للإنماء الاقتصادي والاجتماعي، فإن جميع مؤشرات قياس التنمية المستدامة العربية، بما في ذلك المستوى المعيشي ومستوى الحريات، جميعها تقع ضمن الخط الأحمر. أما التقدم الخجول المسجل في هذا المجال في بعض الأقطار، قبل وبعد حرب الخليج الثانية، فقد تآكلت آثاره بسبب التردد الداخلي والميوعة، فضلا عن تأثير الإكراهات الخارجية للنظام العالمي الجديد المفروض من طرف القوى الغربية الكبرى وبخاصة الولايات المتحدة.
وهكذا عمليا، لا يبدو أن أنظمة الحكم الاستبدادي في الدول العربية والإسلامية قد زحزحتها قيد أنملة، الحركة العالمية الراهنة نحو الإصلاح والديمقراطية والشفافية في أوروبا الشرقية ودول الاتحاد السوفيتي السابق وفي دول أمريكا اللاتينية على وجه الخصوص. إذ لا تكاد توجد دولة عربية أو إسلامية واحدة قامت، إراديا وجديا، بالتحول المؤسسي إلى نظام الحكم الديمقراطي التعددي الذي بدأ يفرض نفسه في كل مكان من العالم كخيار استراتيجي لنزع فتيل الصراع عن العلاقات الاجتماعية-السياسية الداخلية وإبعاد شبح  الفوضى والحروب الأهلية عن هذه البلدان وتحقيق التنمية المستدامة لصالح شعوبها الفقيرة والمتخلفة. فهل هو حقا الاستثناء والاستعصاء الإسلامي على الديمقراطية في هذه المنطقة العربية الإسلامية الرخوة الممتدة من انواكشوط  غربا إلى جاكارتا شرقا؟
هل هذه الملاحظة صحيحة أم مبالغ فيها؟ أمام التعقيد  التاريخي والمنهجي لإشكالية السلطة في التراث العربي والإسلامي واستمرار ظواهر الاستبداد والشمولية والدكتاتورية في إعادة إنتاج آلياتها وعلائقها الزبونية في هذه البلدان، يشير بعض الباحثين إلى نوع من "القصور الثقافي" البنيوي  يجعل العالم العربي الإسلامي فاقدا للياقة الفكرية التي تمكنه من ممارسة الديمقراطية. فما هي، إذن، تلك العوامل الداخلية والخارجية التي ميزت هذه المجتمعات و طبعت تطور ممارسة السلطة فيها على النحو الذي ما فتئ يسمح بإعادة إنتاج وتكريس طبائع الاستبداد في أنظمة الحكم مقابل استعداد  الشعوب لتقبل القهر والابتعاد عن روح التحرر والعصيان والثورة في سبيل تغيير تلك العلاقات التسلطية.
 
 في هذا السياق، تكتسي اليوم إعادة اكتشاف بعض المفاهيم الإجرائية التراثية اهتماما معرفيا متزايدا بالنسبة للباحثين المعاصرين في حقول دراسة  السوسيولوجيا السياسية والفقه السياسي ضمن تلك المجتمعات. إن مفاهيم مثل "الشورى"  و"العمران" و"العصبية" كما عند ابن خلدون (القرن الرابع عشر الميلادي) و"الخروج" وغيرها كثير، ربما توفر قوالب نظرية لتوليد قيمة ابيستمولوجية مضافة قد تكون مفيدة لبناء مقاربة نقدية جادة لدراسة هذا الموضوع من وجهة نظر مختلفة.
في العالم العربي الإسلامي، دأب الناس على النظر إلى الديمقراطية، باعتبارها إما هبة ينتظر أن يمنحها الحكام الطيبون لشعوبهم المتعقلة عندما تكون الظروف مواتية، او قرارا مفروضا من الخارج ضمن اجندة القوى الدولية المهيمنة، أو كنتيجة منطقية لمسار آخر منفصل عنها مثل بناء الدولة الوطنية او تحقيق الوحدة القومية او تطبيق الليبرالية الاقتصادية او نشر العلمانية، الخ…
و حتى على هذا المستوى أيضا، فإن تجربة العالم العربي الإسلامي تقدم نفيا قاطعا لهذه الفرضية. حيث أن مسلسل الخصخصة الاقتصادية الذي اتبع في غالبية دول المنطقة منذ عشرات السنين، لم يساهم قط في النهوض بالديمقراطية. لقد أدت الليبرالية المتوحشة وكذا الإجراءات القاسية للتقويم الهيكلي- المفروض من طرف المؤسسات المالية في بريتن وودز- لاقتصاديات العديد من الدول العربية الإسلامية إلى إلغاء عشرات الملايين من وظائف الشغل وإلى اختلال التوازن في القطاعات السوسيو-اقتصادية الحيوية مثل الصحة والتعليم و البنى التحتية الضرورية. وهكذا اتسعت الفجوة بين الاغنياء والفقراء وتسارعت وتيرة إملاق الشعوب العربية والإسلامية الفقيرة أصلا تفتت  الطبقة الوسطى الناشئة في هذه البلدان.
وإذا كان صحيحا، من الناحية النظرية، أنه من مزايا الديمقراطية أن يكون الفقراء ملوكا لكونهم الأكثر عددا و أن إرادة العدد الأكبر من الناس لها قوة القانون كما يرى آرسطو في كتابه "في السياسة" "De la politique"، فإن  فقراء العالم العربي والإسلامي لم يستطيعوا حتى الاستفادة من هذه المزية المزعومة لتغيير واقع الاستبداد و لتحسين ظروف المشاركة السياسية في ممارسة الحكم ودمقرطة الحياة السياسية في أغلبية بلدانهم.
لقد أبدى الغرب على الدوام تخوفات مفرطة من احتمال تحرر حقيقي لشعوب العالم العربي الإسلامي وذلك إما تحت تأثير اتجاه وطني ثوري علماني، مثلما حدث في مصر في عهد عبد الناصر ثم في العراق إبان حزب البعث، أو تحت تأثير تنامي الصحوة الإسلامية سواء في طبعتيها الإصلاحية أو الأصولية، كما حدث في إيران والسودان والجزائر وأفغانستان، بغض النظر عن طبيعة تقييم تلك الأنظمة جميعا.
وهكذا حظي العديد من المستبدين العرب والمسلمين بمساندة دائمة من القوى الغربية للاحتفاظ بالسلطة مقابل ضمان مصالحها ونفوذها في المنطقة وكذا تأمين حصولها بيسر على الثروات والموارد الطبيعية لتلك البلدان، خاصة النفط. هذه الهدية المسمومة التي تغذى أحلام فقراء العالم العربي والإسلامي نحو الإثراء السريع، وها هو اليوم يساهم في التعجيل بزوال هذا العالم نفسه.
وعلى مدى عشرات السنين، ظلت الأنظمة الاستبدادية العربية والإسلامية، المدعومة غالبا من طرف القوى الغربية، تراوغ مع شعوبها في المنطقة، متذرعة بحجة ترتيب وإعادة ترتيب الأولويات الوطنية في كل قطر. فتارة تضحي بالديمقراطية مراهنة على تحقيق بعض السياسات في مجال التنمية، غالبا ما تكون مبتورة التصور وباهتة النتائج على الأرض. وتارة أخرى، تضحي بالديمقراطية و التنمية معا، من أجل اعتبارات أمنية تتخذ من الاستقرار وحفظ السلم الاجتماعي شعارات، قد تكون حقيقية أو وهمية إلا أنها تتجدد عبثيا في كل مرة أو تختلق اختلاقا إذا اقتضى الأمر لتكريس الأوضاع القائمة وإعادة إنتاج النظام الاستبدادي القديم-الجديد وتأجيل أجندة التغيير المطلوب من طرف أغلبية شعوب هذه المنطقة من العالم.
لقد وضعت العراقيل أمام تشكيل الأحزاب الإسلامية و منعت من الوصول إلى الحكم عن طريق الديمقراطية مثلما حدث في الجزائر بشكل سافر وبمساندة مطلقة من الغرب، فانتقلت المنظمات الإسلامية فيها إلى العنف كما هو متوقع. فتبا للديموقراطية.. ولا عزاء للديموقراطيين. لكن، حتى عندما تتمكن بعض الحركات الإسلامية من المشاركة في اللعبة السياسية أو تصل إلى الحكم عن طريق الديمقراطية، فلا يتم الاعتراف لها بالطابع الديمقراطي، بل تحاصر من قبل القوى الدولية المطالبة بالديموقراطية! كما حدث لحركة حماس الفلسطينية ولحزب الله في لبنان.
 في نهاية المطاف، يبقي مئات الملايين من العرب و المسلمين الذين لم ينعموا في حياتهم لا بالديمقراطية ولا بالتنمية ولا بالسلم الاجتماعي، ليدركوا في الأخير حجم الكارثة التي حلت بهم.
لقد فقد هؤلاء كل شيء ولم يحصلوا على أي شيء، والنتيجة هي مزيد من الإحباط والغضب وتأزم الأوضاع الداخلية التي تهدد بحصول انفجار في هذه البلدان في كل لحظة. هذه الحالة ستساهم، دون شك، في تسريع راديكالية معلنة في العلاقات السوسيو- سياسية والاقتصادية المحلية في اتجاه أكثر عنفا وأكثر إضرارا بمصالح هذه الشعوب بما يقوض أسس استقرار دولها وما يجلبه ذلك من كوارث ومآسي إنسانية وما يتيحه من فرص سانحة للتدخل والهيمنة الأجنبية على مصائر هذه البلدان.
 ويستمر استغلال هذه الأزمات من طرف الأنظمة المستبدة في العالم العربي الإسلامي لدعم هيمنتها وفرض بقائها في السلطة عبر استخدام كافة وسائل الإكراه المادي والمعنوي مثل القوة (التجسس والاعتقالات والتعذيب، الخ) والفساد السياسي والإداري والمالي والرشوة الجماعية والتفتيت الطبقي والإيديولوجي (لعبة التقسيم الإثني والطائفي والعشائري والقبلي والمناطقي وضرب القوى السياسية بعضها ببعض، الخ…) وكذا الرقابة الصارمة على النفاذ إلى الأنشطة السوسيو-مهنية والاقتصادية المهمة (الصفقات والأعمال التجارية، رخص الاستغلال التجاري والصناعي للموارد الطبيعية والخدمات وعقود الامتياز، الخ…) التي تحتل أهمية بالغة في التحكم بإعادة توزيع الثروة التي تمثل عصب الحرب بالنسبة للأنظمة الاستبدادية الزبونية ذات التشعبات الداخلية والخارجية المعقدة.
ولكن أين هو المجتمع المدني  والنخب - المدنية والعسكرية - وكذا الأنتلجنسيات الثقافية والفكرية والسياسية والمهنية وما هو دورها في عملية الحراك الاجتماعي وديناميكية التغيير المنشود؟ وإذا كانت الوعي المدني يفترض السعي لبلوغ مستوى رفيع من التطور الثقافي والعلمي والصناعي والمهني يستلزم الترابط بين مكونات المجتمع على اختلاف انتماءاتهم الاثنية والقومية والمذهبية والفكرية والطبقية وتحرير طاقاتها بقصد البناء والتعمير والعيش الكريم، فإن مهمة تنوير الشعوب عادة ما يضطلع بها المثقفون والمصلحون طواعية بحيث يعملون على تشكيل قوة اقتراح وقوة مضادة للإيديولوجيا المهيمنة مهما كانت، بغية الحفاظ على التوازن المؤسسي للمجتمع والدولة. ويتم ذلك، عادة، من خلال رعاية وتطوير حوار موضوعي، تشاركي، نقدي وبناء يقود إلى بلورة الأفكار وتنظيمها والتعبير عنها بما يخدم مشروع الإصلاح والتغيير في هذه المجتمعات.
فمركزية  دور الرأي المستنير لطبقة المثقفين في مواجهة الأسْر الذهني - ومثله التقوقع الثأري – الذي يخلقه التكدس السلبي - لا المنفتح والمثمر - لمشاعر القهر والظلم والألم وتحجم وتحجر الرؤى وانحدار قدرات المبادرة إلى حدودها السفلى لا يوازيها  إلا خطورة "الاستقالة" باسم الواقعية أو النضج أو تضخم الوعي أو إدراك ضيق هوامش التغيير أو باسم نوع من التهكم السقراطي، التي إنما هي تورط بالغ الخطورة وليستْ استقالة بالمعنى الحرفي.
ولكن، ما الذي حدث عمليا في بلدان العالم العربي والإسلامي، هل هو تقصير أم تواطؤ أم استقالة من طرف أغلبية النخب المدنية والعسكرية في هذه البلدان من أقصى اليسار إلى أقصى اليمين، العلمانية منها وغير العلمانية، في التعاطي مع المهمة التاريخية الرئيسية لتلك النخب؟
إلى أي مدى أسهمت السياسات الغربية بصورة عامة (الزبونية السياسية بين المستبد المحلي والقوى الدولية التي تحميه)، منذ التوجيهات الديمقراطية لقمة لابول الفرنسية (في ظل الرئيس ميتران مع مطلع تسعينيات القرن الماضي) وصولا إلى المقترحات والوعود الأمريكية بدعم الإصلاح ونشر الديمقراطية في العالم العربي والإسلامي (في ظل الرئيس بوش)، في تبسيط - أو على الأصح تعقيد- المهمة الصعبة أصلا، بالنسبة للنخب في هذه الدول؟
 
لم

المزيد